محمد بن جرير الطبري
532
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقول : " فمن اضطر " ، فمن أصابه ضُرٌّ ( 1 ) = " في مخمصة " ، يعني : في مجاعة . * * * = وهي " مفعلة " ، مثل " المجبنة " و " المبخلة " و " المنجبة " ، من " خَمَصِ البطنِ " ، وهو اضطماره ، وأظنه هو في هذا الموضع معنيٌّ به : اضطماره من الجوع وشدة السَّغَب . وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسَّغب ، ولكن من خلقة ، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخَمَص البطن : ( 2 ) وَالبَطنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنٌ . . . وَالنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ ( 3 )
--> ( 1 ) انظر تفسير " اضطر " فيما سلف 3 : 56 ، 321 . ( 2 ) " خمص " ( بفتح الخاء والميم ) . وهذا تفصيل جيد في معنى " الخمص " و " المخمصة " ، لا تصيب مثله في معاجم اللغة . ( 3 ) ديوانه : 66 واللسان ( قعد ) وروايته : " لطيف طيه " ، ولا شاهد فيه عندئذ . وهو من قصيدته التي استجاد فيها صفة المتجردة ، صاحبة النعمان بن المنذر ، والتي أفضت إلى ما كان بينهما من المهاجرة . و " العكن " : أطواء البطن لا من السمن فحسب ، كما يقول أصحاب اللغة ، فإن هذا البيت شاهد على خلافه . وإنما " العكن " هنا ما تثنى من أطواء البطن من رقة جلدها ونعومته ، ورخاصة جسدها ولينه ، فلذلك يتثنى . ولو كان ذلك من " السمن " ، كما يقول أهل اللغة ، لم يقل بعد " خميص لين " ، ويصفه بالضمور والرقة ( في رواية أبي جعفر ) ، ولا " لطيف طيه " ، وهو كناية عن الضمور والرقة أيضًا ، وذلك من صفتها ضد السمن . فمن شرح " العكن " في هذا البيت وأشباهه بأنها من السمن ، فقد أخطأ ، وأحال معاني الشعر عن وجوهها . وقوله : " والنحر تنفجه " ، " النحر " : أعلى الصدر ، وهو موضع القلادة منها . وكل ما ارتفع فقد " نفج وانتفج وتنفج " ، و " نفجه الرجل ينفجه نفجًا " . ويقال : " نفج ثدي المرأة قميصها " : إذا رفعه . وأسند إليها أنها تنفج نحرها بثدييها ، وإن كان ذلك خلقة لا فعل لها فيه ، لأنه نظر إلى ما يساور المرأة حين تختال لتفتن الناظرين ، فتتخذ سمتًا وهيأة تنهب بحلم الحليم . فأصاب النابغة غاية الإصابة في الإشارة إلى سر المرأة في حركتها وشمائلها . ولكن الذين تعرضوا لتفسير مثل هذا الشعر ، أساءوا إليه من حيث أرادوا الإحسان ، فقال الوزير أبو بكر في شرحه ديوان النابغة : " ويروى : والإتب تنفجه ، - والإتب ثوب تلبسه - وهو أليق بالمعنى ، لأن الثدي ينفخ الثوب ، أي يرفعه ويعظمه " . ثم قال أيضًا : " وروي : والنحر تنفجه " أي ترفعه عن الثوب " ، وهذا مثل على الخلط في فهم الشعر ، وإفساد لمعانيه . والذي استحسنه الوزير ، معنى مغسول سخيف في مثل هذا الموضع من شعر النابغة ، أضاع به تعب الشاعر في شعره . و " ثدي مقعد " : ناتئ على النحر ، إذا كان ناهدًا لم ينثن بعد .